الشيخ علي المشكيني

356

رسائل قرآنى

ثانيهما : حرمة تصرّف غيره فيه بالنحو الباطل . وهذا من لوازم الحكم الأوّل وآثاره ، وقد سبق الكلام لبيانه . وإدراج كلمة « بينكم » في الجملة لبيان أنّه لو لم تكن تلك الكلمة لأفاد الكلام حرمة أكل كلّ أحد مال نفسه بالنحو الباطل ، كأكلة نجساً وغير مذبوح ، وتصرّفه بالإسراف والتبذير ، وفتل نفسه بماله وإتلافه بلا مجوّز ، وغير ذلك ؛ مع أنّه ليس مقصوداً من الآية ، فيفيد قوله : بَيْنَكُمْ ارتباط مال واحد لشخصين ، بأن يكون الملك لأحد ، والأكل - أي التصرّف - من آخر ؛ فالمآل النهي عن تصرّف كلّ إنسان مؤمن في مال إنسان آخر . ثمّ إنّ المراد بالباطل كلّ طريق يعدّ عند العرف باطلًا ، كالسرقة ، والاختلاس ، والغصب بأيّ نحو كان . ويحتمل إرادة الأعمّ من الباطل العرفي والشرعي . وبينهما عموم من وجه ؛ فأكل المارّة والأخذ بالشفعة وبخيار الحيوان وما يماثلها باطلٌ عرفاً ، غير باطل شرعاً ؛ والأكل بالربا وبعض أقسام البيوع الفاسدة باطلٌ شرعي ، غير باطل بنظر العرف . لكنّ الأولى حمل اللفظ على ما يفهمه العرف ، كسائر الخطابات الشرعية . وقوله : إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً . . . أي تكون الأموال أموال تجارة ، أو تكون التجارة تجارة عن تراض . وهي تشمل كلّ ما يعدّ اكتساباً مع رضاية عرفاً ، إلّا ما نهى الشارع عنه . وقوله : وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ نهيٌ عن قتل النفس ، بمعنى أنّه يحرم على كلّ إنسان أن يقتل نفسه بشرب السمّ والإغراق والإحراق ونحوها . أو بمعنى أنّه يحرم لكلّ مؤمن أن يقتل مؤمناً آخر ، ولكلّ طائفة أن يقاتل طائفة أخرى ؛ فإنّ المؤمنين كأنّهم نفس واحدة ، كقوله تعالى : فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ « 1 » ، وكقوله : لَوْ لا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا « 2 » . أو بمعنى أنّه يحرم لكلّ أحد ارتكاب المعصية ، وإلقاء نفسه في مهلكة الإثم والطغيان . وهذا هو الهلاك الحقيقي ، وهو هلاك الروح وقتل النفس الإنسانية ، والأوّلان إتلاف للأبدان . ثمّ إنّ ارتباط هذه الجملة مع سابقتها واضح ؛ إذ على المعنى الأوّل في القتل قد نهى اللَّه

--> ( 1 ) . النور ( 24 ) : 61 . ( 2 ) . النور ( 24 ) : 12 .